Thursday, June 28, 2012

قراءة في تكوين المؤتمر الوطني

التكوين:
    انقسمت الجبهة القومية الإسلامية بقيادة الدكتور حسن عبدالله الترابي، انقسامها الشهير عن تنظيم الاخوان المسلمين، بسبب ميل الأخوان المسلمين للرؤية "السلفية" للدولة التي تحكم بسلطان الله في الأرض. هذه الدولة تقوم بتحديد إقليم جغرافي إسلامي دستوره الشريعة الإسلامية بالمنظور السلفي المتوارث في التيار السنّي الرئيسي في العالم الإسلامي. لمّا كانت هذه الرؤية لتكوين وتركيب الدولة غير ممكنة وتتصادم مع القوانين والمواثيق والأعراف الدولية، وتعتدي على حقوق الأقليات بمنظور القانون
الدولي، ولا تتعاطي مع الدولة والمجتمع التعددي الحديث بما يفي متطلباته القانونية من مساواة في الحقوق والواجبات على أساس المواطنة والإنتماء للإقليم الجغرافي المعترف به دوليًا؛ فقد كان من الضروري تنقيح منظور الدولة في الإسلامي ليتماشي مع ملابسات الحداثة في تكوين الدولة والقانون الدولي. فخرج الترابي بمنظور الدولة التي تتكامل فيها الشروط الموضوعية الحديثة ومع المبادئ الفقهية المنتمية لمدرسة "التفسير التوحيدي" و "فقه الضرورة" الذي ابتدعه لتقديم تنازلات فقهية لتلك الشروط الموضوعية الحتمية. المساواة وعدم التفرقة على أساس الدين والنوع كانا هما التحديان الأساسيان، فأقر فقه الضرورة إمامة المرأة ولاية غير المسلم أمر المسلمين فحسم تقاطعات الفقه السلفي مع الدولة الحديثة وتحوّلت بقيى التفاصيل الفقهية إلى ميدان اجتهاد وتأويل غير محدود. اختلاف آيديولوجيا الترابي الإسلامية عن آيديولوجيا "الأخوان المسلمين" حينها كان مكمنه في مقدرة آيديولجيا الترابي على استيعاب الدولة الحديثة ومؤسساتها فشل الآيديولوجيا الأخولنية التقليدية في ذلك (ثم أصابتهم الردة الآيديولوجية فوقفوا موقفه من الدولة الحديثة بعد أن رموه بالردة في سابق الأزمان!).


    هكذا بدأت جبهة الميثاق من هذه النقلة الحداثوية في الحركات السياسية الأسلاموية وانتقلت لقومية سودانية في سعيها لمخالطة الطرق الصوفية المحلية فصارت جبهة قومية إسلامية. بعد تمكين "ثورة الإنقاذ" للجبهة القومية الإسلامية من مفاصل الدولة والإقتصاد السوداني ظهرت فيها علامات انتفاخ آيديولوجي يدعو لعولمة النموذج السوداني، فكان المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي العالمي، وكان الغنوشي وهنية والظواهري وغيرهم من اٌسلامويين الحداثويين المتطرفين. ففشل مشروع العولمة وتحوّل لمجموعة صلات طيبة ليست مرفقة بمسؤوليات جنائية إرهابية في طياتها، وتقزّم المؤتمر الإسلامي العالمي لمؤتمر وطني محلي، ما برح ان انقسم لمؤتمر وطني حاكم ومؤتمر شعبي معارض.


    مع آيديولوجيا استيعاب الدولة الحديث امتازت تنظيمات الكيزان المتعاقبة على حداثة البنية ووسائل الممارسة. تنظيات الكيزان التي أنشأها وقادها الترابي كانت دائمًا تنظيمات ديموقراطية يشارك كل عضويتها في العطاء الفكري وتخطيط الإستراتيجيات وصناعة القرارات وتنفيذها. ولا شيء يحد العضوية من أشكال المحاباة والتفضيل ويستند تقدّم العضو وارتقاءه مراقي التنظيم على أداءه التنظيمي وولاءه الفكري وعمله الفردي وليس على شيء آخر. فظهر من نجوم الحركة الإسلامية من لم يسبق لهم تاريخ نخبوي من قريب أو من بعيد ولا يليق أن نستدل بذكر اسماء في هذا المجال.


    بناءًا على حداثة الفكر الإسلاموي المطروح وحداثة وسائل صياغة وتنفيذ المشروع السياسي وحداثة نظام العضوية والمشاركة والإرتقاء في هذه التنظيمات المتعاقبة التي احتوت الكيزان، اخترنا تصنيفها كتنظيمات حديثة، لنميّزها عن التنظيمات التقليدية مثل الحزب الشيوعي وحزب الأمة والإتحادي والقومي (سانو) التي امتازت باستيعاب الطائفية والإستقطاب وعدم المشاركة في صنع القرار كمميزات أساسية لعضويتها. فكانت الإستعاضة عن الأحزاب بأسماء اصحابها "نقد" و "المهدي" و "الميرغني" و "غبّوش" وفلان وعلان ... والآن "الترابي" و "البشير" دخلا هذه اللعبة القديمة في التسمية الأبوية المنتمية لثقافة استقطابية مطعّمة بالأسطورة الشعبية.

الأداء:


    اسهمت حداثة البنية الكيزانية في صعودهم وانتشارهم بسرعة في اوساط النخبة ونجاحهم في المشاركة ككتلة مؤثرة في هذه النخبة الحديثة والجاذبة للمتعلمين والمثقفين من البرجوازية الصغيرة. فاكتسحوا دوائر الخريجين كأن لا غيرهم من حملة الشهادات الجامعية يهتم بأمر الوطن، وتغلغلوا في أوساط الشعب بإفطاراتهم الرمضانية وزواجاتهم الجماعية حتى صار منظر ذقونهم الصغيرة وحجابهن الشاذ منظرًا عاديًا. ثم ما لبثوا أن شربوا أزمة المركز التاريخية فحاكوا مشروعهم السياسي حولها، فكانت لمناهجهم الحديثة ميزة كبيرة في جعلهم الصوت المعبّر عن تلك الأزمة التاريخية. فتحوّل كل مسكوت عنه إلى مرتكز من مرتكزات المشروع السياسي، فصار الدستور "القرآن" واستبدل الشعار الوطني "نحن جند الله" بشعار "لا بديل لشرع الله"، وأصبحت حرب الجنوب التي قامت بسبب التهميش والعنصرية جهادًا في سبيل الله ودفاعًا عن الإسلام والعروبة. هكذا بفكرهم الإسلاموي ومناهجهم الحديثة استطاعوا صياغة آمال ومثالب المركز بوضوح وقوّة أهّلتهم للتعبير عن هذا المركز الجلابي المنافق بجدارة لا مثيل لها. فقد فضحوا "الكوزنة" المعششة في تلابيب أفندية المركز وأستاره التكنولوجية وطبقات النفاق الإجتماعي الكثيفة.


    حداثة بنية الكتلة الكيزانية أهلتها للإستيلاء على السلطة لتنفيذ هذا المشروع السياسي بالحرف كما خطط له. وهي التي أهلتهم للإفادة القصوى من سياسات وإجراءات التمكين وإزاحة المركز التقليدي ليس فقط عن السلطة ولكن لإزاحته أيضًا عن الميزة النخبوية وقيادة المجتمع والتأثير في الهوية الثقافية المهيمنة، فتدحرج المنتمين للمركز التقليدي إلى حالة أقرب لوضعية المعالم السياحية عنها من حالة كون أحدهم ابن مركز أم ابن هامش. فبنينا على المركزية الكيزانية التي طرأت مع "المشروع الحضاري" - بالإضافة لحداثة البنية التنظيمية والآيديولوجية - تأهلهم لتمثيل المركز في أي اتفاق مشروع وممكن دون الحوجة للعودة لعناصر تكوين المركز التقليدي المزاح. مما حدا بنا للإذعان الكامل لمشروعية "إتفاقية السلام الشامل" باعتبار أن حكومة الكيزان هي التمثيل المشروع للمركز بطموحاته وعيوبه للدخول في إتفاق يخاطب أزمة الحكم المزمنة في السودان.


وللحديث بقية عن ما يؤهل الحركة الشعبية للتعبير عن الهامش تعبيرًا مشروعًا في نفس الإتفاقية، وبالتالي اعتبار اتفاقية السلام الشامل هي الأساس لأي مشروع وطني يعبّر عن المركز والهامش على حد السواء ....




.... المهم ....